علي بن محمد البغدادي الماوردي

56

أدب الدنيا والدين

ليتقدم على الصغير المبتدي ويساوي الكبير المنتهي وهذا ممن رضي بخداع نفسه وقنع بمداهنة « 1 » حسه لأن معقوله إن أحس ومعقول كل ذي حس يشهد بفساد هذا التصور وينطق باختلال هذا التخيل لأنه شيء لا يقوم في وهم وجهل ما يبتدئ به المتعلم أقبح من جهل ما ينتهي إليه العالم . وقد قال الشاعر : ترق إلى صغير الأمر حتى * يرقيك الصغير إلى الكبير فتعرف بالتفكر في صغير * كبيرا بعد معرفة الصغير ولهذا المعنى وأشباهه كان التعلم في الصغر أحمد . روى مروان بن سالم عن إسماعيل بن أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل الذي « 2 » يتعلم في صغره كالنقش على الصخر والذي يتعلم في كبره كالذي يكتب على الماء » . وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقى فيها من شيء قبلته . وإنما كان ذلك لأن الصغير أفرغ قلبا وأقل شغلا وأيسر تبذلا « 3 » وأكثر تواضعا . وقد قيل في منثور الحكم : المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء فأما أن يكون الصغير أضبط من الكبير إذا عرى من هذه الموانع وأوعى منه إذا خلا من هذه القواطع فلا . حكي أن الأحنف بن قيس سمع رجلا يقول : التعلم في الصغر كالنقش على الحجر فقال الأحنف : الكبير أكثر عقلا ولكنه أشغل قلبا ولعمري لقد فحص « 4 » الأحنف عن المعنى وبينه ونبه على العلة لأن قواطع الكبير كثيرة . فمنها ما ذكرنا من الاستحياء . وقد قيل في منثور الحكم : من رق وجهه رق علمه .

--> ( 1 ) بمداهنة حسه : من داهنه إذا غشه ومكر به . ( 2 ) مثل الذي تعلم . . . : ورواه الطبراني عن أبي الدرداء . ( 3 ) تبذلا : التبذل ضد الصيانة . ( 4 ) فحص : بحث وأظهر .